الحسن البصري: سيرة إمام التابعين وقارئ البصرة

الحسن البصري: سيرة إمام التابعين وقارئ البصرة
2026/10/29

ما إن يُذكر الإمام الحسن البصري حتى يتبادر إلى الأذهان ذلك العالم العابد الزاهد، "سيد أهل زمانه علما وعملا"(1)، صاحب المواعظ المؤثرة التي ترجف منها القلوب وتذرف منها العيون، والذي قيل إن كلامه يشبه كلام الأنبياء؛ لما حباه الله به من طيب الكلام وحسن البيان وبديع الحكمة وفصاحة المنطق.

غير أن تتبع سيرة الرجل تُطلعنا على وجه آخر مشرق وعظيم من وجوه هذه الشخصية الفذة؛ إنه الحسن البصري العالم بالقرآن، الحافظ له، المقرئ الذي أخذ عن كبار الصحابة، وجعل من كتاب الله محور حياته تعلماً وتعليماً وإقراءً وتدبراً؛ حتى إنه أصبح صاحب إحدى القراءات الشاذة (غير المتواترة) للقرآن الكريم.

وهذا الجانب من حياة الحسن البصري ربما كان غير معروفٍ عنه ولا مشتهرٍ به، غير أن لدينا من الشواهد والدلائل ما يدل على أنه كان راسخ القدم في هذا الميدان أيضًا، كما كان في غيره من العلوم كالتفسير والفقه والوعظ.

ترجمة موجزة:

وُلد أبو سعيد الحسن بن يسار البصري سنة 21 هـ لسنتيْنِ بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتُوفِّيَ سنة 110هـ؛ فهو من كبار التابعين، وقد أدرك مائة وثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

قرأ الحسن البصري القرآنَ على حطان بن عبد الله الرقاشي عن أبي موسى الأشعري، وعلى أبي العالية عن أُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعمر بن الخطاب، وغيرهم، رضي الله عنهم جميعًا.

وروى عنه: أبو عمرو بن العلاء، وسلام الطويل، ويونس بن عبيد، وعاصم الجحدري، وسمع منه عيسى بن عمر النحوي، وغيرهم.

واشتُهرت قراءةُ الحسن البصري بروايتَيْ: البلخي والدوري، وهما ليسا من تلاميذه!

- الراوي الأول: شجاع بن أبي نصر البلخي: أبو نعيم البغدادي الزاهد (120- 190 هـ).
وهو ثقة كبير، عرض القرآن على أبي عمرو بن العلاء وهو من جلة أصحابه وسمع من عيسى بن عمر.
روى القراءة عنه أبو عبيد القاسم بن سلام وأبو عمر الدوري وغيرهما. 
وقد سُئل عنه الإمام أحمد بن حنبل فقال: «بخ بخ، وأين مثله اليوم»(2).

- الراوي الثاني: أبو عمر حفص بن عمر الدوري، النحوي، الضرير (ت 246 هـ)، وهو أحد راوييْ أبي عمرو بن العلاء البصري أيضًا.
كان إمام القراءة وشيخ الناس في زمانه، ثقة، ثبتًا، ضابطًا، وهو أول مَن جمع القراءات، وقرأ بسائر الحروف السبعة وبالشواذ.
قال أبو داود: رأيتُ أحمد بن حنبل يكتب عن أبي عمر الدوري.(3)

ثناء العلماء عليه:

قال ابنُ حبان عنه: "كان من علماء التابعين بالقرآن والفقه والأدب وكان من عباد أهل البصرة وزهادهم"(4).
وقال الذهبي: «مَنَاقِبُهُ كثيرةٌ وَمَحَاسِنُهُ غزيرةٌ، كَانَ رَأْسًا فِي الْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ، إِمَامًا مُجْتَهِدًا كَثِيرَ الاطِّلاعِ، رَأْسًا فِي الْقُرْآنِ وَتَفْسِيرِهِ، رَأْسًا فِي الْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ، رَأْسًا فِي الْحِلْمِ وَالْعِبَادَةِ، رَأْسًا فِي الزُّهْدِ وَالصِّدْقِ، رَأْسًا فِي الْفَصَاحَةِ وَالْبَلاغَةِ، رَأْسًا فِي الأَيْدِ وَالشَّجَاعَةِ»(5).
وقال ابن الجزري: "الحسن بن أبي الحسن يسار السيد الإمام أبو سعيد البصري، إمام زمانه علما وعملا، قرأ على حطان بن عبد الله الرقاشي عن أبي موسى الأشعري وعلى أبي العالية عن أبيّ وزيد وعمر"(6).
وقال الشافعي: "لو أشاء أقول إن القرآن نزل بلغة الحسن لقلت لفصاحته"(7).

وبذلك تتضح لنا مكانة الحسن البصري قارئًا ومقرئًا للقرآن الكريم؛ إذ كان أحدَ أئمة التابعين الذين عُنوا بكتاب الله قراءةً وإقراءً وتفسيرًا. وإن كانت قراءته لا تدخل في القراءات العشر المتواترة، فإن حضورها في كتب القراءات والتفسير يكشف عن جانب مهم من مكانة الرجل العلمية، ويؤكد أن إمامته لم تقتصر على الوعظ والزهد، بل امتدت إلى خدمة القرآن وعلومه.

📖وراء مواعظ الحسن البصري وحِكَمه قصةٌ أخرى مع القرآن الكريم تستحق أن تُروى …

ما المعلومة التي استفدتها من الفائدة؟ شاركنا بها، ولا تنسَ نشره لتعمّ الفائدة


 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سير أعلام النبلاء (4/ 565).
(2) غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري (1/ 491).
(3) السابق (1/ 388).
(4) مشاهير علماء الأمصار (ص 88).
(5) تاريخ الإسلام (7/ 24).
(6) غاية النهاية (1/ 235).
(7) السابق نفسه.

بحث
الأكثر تداولاً

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة