قال الله تعالى:
(كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ) [النساء:56]
في هذه الآية المباركة، يكشف الله تعالى عن صورة واضحة لعذاب جهنم، مُظهرًا دقة العقاب وحكمة الحساب، كما يكشف الإعجاز القرآني فيها عن جوانب علمية دقيقة تُحفّز على التأمل والتدبر.
قال ابن كثير في تفسيره والبيضاوي في أنوار التنزيل وأسرار التأويل:
أي: كلما احترقت جلودهم بالنار، أبدلهم الله تعالى بجلود أخرى؛ فهم على هذه الحال دائمون ليجدوا ألم العذاب وكربه وشدته، وإنما يتم ذلك بأن يعاد ذلك الجلد بعينه على صورة أخرى، أو بأن يزال عنه أثر الإحراق ليعود إحساسه بالعذاب.
ويأخذنا ابن القيم إلى استشعار الموقف فيقول:
فأي لذة وأي خير ينشأ من العذاب الشديد الدائم الذي لا ينقطع ولا يفتر عن أهله بل أهله فيه أبد الآباد كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودًا غيرها لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم طرفة عين؟!
لماذا خص الجلود بالذكر؟
يجيب ابن عثيمين على هذا التساؤل في تفسيره فيقول:
إنما خص الجلود لأنها هي التي يقعُ عليها العذاب، والعياذ بالله، ولأن الجلد إذا احترق صار حائلًا دون بقية الجسم فلا يحسون بالنار، لكن إذا بُدّل بجلد آخر حينئذ أحسّوا بحرّ النار أعاذنا الله وإياكم منها.
وجاء في موسوعة النابلسي:
هذه الآية تشير إلى أن مواقع الإحساس بالألم، وألم الحريق بالذَّات موجودةٌ في الجلد، فمن أجل أن يذوقوا العذاب، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها.
السر في تبديل الجلود!
ذكر الآلوسي في تفسيره أنَّ السر في تبديل الجلود، مع قدرة الله تعالى على إبقاء إدراك العذاب وذوقه بحال الاحتراق أو بقاء الأبدان على حالها مصونة عنه، هو أن النفس ربما تتوهم زوال الإدراك بالاحتراق.
ما دلالة التبديل المستمر لجلودهم؟
قال البقاعي في نظم الدرر:
ليدوم لهم تجدد ذوقه؛ فتجدد لهم مشاهدة الإعادة بعد البلى كل وقت؛ كما كانوا يجددون التكذيب بذلك كل وقت؛ ليكون الجزاء من جنس العمل.
لماذا جاء التعبير بقول الله تعالى ليذوقوا؟
قال الآلوسي في روح المعاني:
والتعبير عن إدراك العذاب بالذوق من حيث أنه لا يدخله نقصان بدوام الملابسة، أو للإشعار بمرارة العذاب مع إيلامه، أو للتنبيه على شدة تأثيره من حيث أن القوة الذائقة أشد الحواس تأثيرا، أو على سرايته للباطن.
وجه الإعجاز العلمي في الآية:
يقول الأستاذ الدكتور كارم السيد غنيم، في مقال له بموقع "إعجاز القرآن والسنة" إن الجلد عضو إحساس من الطراز الأول، وخريطة مدهشة من الأعصاب، لم يتم الكشف عنها إلا في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، بعد تقدم وسائل البحوث الحديثة في علم التشريح، وعلم الأنسجة وغيرها من العلوم.
وهو أكبر عضو في جسم الإنسان من حيث المساحة، فمتوسط مساحته 1.8 متر مربع، وهو يحيط بالجسم كله فيحميه ويكسبه مظهرًا جميلاً، كما يتلقى المؤثرات الواقعة على الجسم من خارجه، وتظهر عليه الانفعالات.
واتضح من خلال التشريح الدقيق للجلد وجود شبكة من الألياف العصبية، توجد بها نهايات عصبية حرة، في طبقات الجلد، تستقبل جميع المؤثرات الواقعة على الجلد من البيئة الخارجية المحيطة به، من درجة حرارة، إلى رطوبة، إلى ضغط، إلى لمس، إلى ألم .. الخ
ولذا فإن في هذه الآية الكريمة إعجاز بياني وعلمي يُجلِّي مواقع الإحساس في الجلد، ليوقظ القلوب من غفلتها!
فهل من معتبرٍ يرتعد قلبه خشيةً من عذابٍ تُبدَّل فيه الجلود دون انقطاع؟
تحدي التدبر:
في القرآن الكريم، وردت آية تصوّر مشهدًا مهيبًا يُخاطب فيه الإنسان جلده يوم القيامة، ويجيب الجلد بأمر الله. هل تتذكّر هذه الآية؟









