في حياةٍ يكثر فيها الاتكال، وتُسوَّف فيها الأعمال، وتُعلَّق الآمال أحيانًا على غير بذلٍ ولا جهد؛ تأتي آيةٌ محكمة من كتاب الله لتعيد ترتيب الميزان، وتغرس في القلب أصلًا عظيمًا من أصول العدل الإلهي والمسؤولية الفردية، يقول تعالى:
﴿وَأَن لَّیۡسَ لِلۡإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم ٣٩]
أي: كل عامل له عمله الحسن والسيئ، فليس له مِن عملِ غيره وسعيهم شيءٌ، ولا يتحمل أحدٌ عن أحدٍ ذنبًا [السعدي].
فهذه الآية تقرر أن كلَّ إنسان مرتهنٌ بسعيه، لا يحمل عنه أحدٌ وزرَه، ولا ينال أجرًا بسعي غيره. وقد سبقتها الآية التي تُمهِّد لهذا المعنى:
﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةࣱ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ﴾ [النجم ٣٨]
أَيْ: كُلُّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ نَفْسَهَا بِكُفْرٍ أَوْ شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ فَإِنَّمَا عَلَيْهَا وِزْرُهَا، لَا يَحْمِلُهُ عَنْهَا أَحَدٌ.
ولَمَّا نَفَى أن يَضُرَّه إثمُ غَيرِه؛ نَفَى أن يَنفَعَه سَعيُ غَيرِه، فقال:
﴿وَأَن لَّیۡسَ لِلۡإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ أَيْ: كَمَا لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ وِزْرُ غَيْرِهِ، كَذَلِكَ لَا يُحَصِّلُ مِنَ الْأَجْرِ إلا ما كسب هو لنفسه. [ابن كثير]
كما قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] .
ومن أعظم مقاصد هذه الآية: حثُّ العبد على المبادرة، وكسر وهم الاعتماد على غيره في النجاة أو الفلاح. فليس النسب، ولا الصحبة، ولا التمنِّي، ولا مجرد النوايا كافية إن لم تُترجَم إلى سعيٍ صادقٍ.
ومع هذا العدل، يفتح الله أبواباً من كرمه، فيُستثنى من ذلك ما بذره الإنسان في حياته فبقي أثره بعد موته، كما في الحديث:
"إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: مِنْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ، أَوْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ مِنْ بَعْدِهِ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ". [مسلم (١٦٣١)]
فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من "سعي" الإنسان وكَدِّهِ وَعَمَلِهِ في الدنيا.
كما يُستثنى ما دل الدليل على وصول ثوابه إلى الميت، مثل: الحج ، والعمرة ، والصوم الواجب.
إن أعظم ما يملكه الإنسان في دنياه وآخرته هو سعيُه، لا يُحاسَب على نوايا غيره، ولا يُجزى بسعي غيره، بل بما قدَّمت يداه، وما أخلص فيه قلبه.
فازرع الخير بيدك، واسعَ إلى الله بقلبك، وأيقن أن صحيفتك لا يملؤها سواك، وأن عدل الله لا يضيع معه عملٌ، ولا يظلم معه أحدٌ.
✍️شاركنا في التعليقات:
ما هو 'الأثر' أو العمل الذي تحرص على غرسه اليوم ليكون أنيساً لك في صحيفتك؟









