في ذروة المحنة التي أحاطت بمريم عليها السلام، تكشف الآيات مشهدًا إنسانيًا مهيبًا يختلط فيه الألم بالخشية والصبر باليقين.
قال الله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا*فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم:22-23].
﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ يعني: في بطنها ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ أي: اعتزلت بالذي حملته، وهو عيسى عليه السلام، وتنحَّت به عن الناس ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ يقول: مكانًا نائيًا قاصيًا عن الناس؛ فرارًا من قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج.
﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ أي أن وجع الولادة ألجأها إلى ﴿جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ طلبًا لسهولة الولادة للتشبث بها، وللتستر بها عن أعين الناس.
﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ أي: قالت عليها السلام في حال الطلق استحياء من الناس: يا ليتني مِتُّ قبل هذا الكرب الذي أنا فيه، والحزن بولادتي من غير زوج.
وتمنت عليها السلام الموت لأسباب دينية ثلاثة:
الأول: أنها خافت أن يُظن بها الشر في دينها وتعير فيفتنها ذلك.
الثاني: لئلا يقع قوم بسببها في البهتان والنسبة إلى الزنا وذلك يهلكهم.
الثالث: لشدة التكليف عليها إذا بهتوها وهي عارفة بِبراءتها، وبضد ما عيبت به، من اختصاص الله إياها بغاية الإجلال والإكرام.
ومن ظن أن تمنيها ذلك كان لشدة الوجع فقد أساء الظن، فإن تمني الموت لضر نزل بالبدن منهي عنه. قال رسول الله ﷺ:
(لايَتَمَنَّى أحدُكم الموتَ، ولا يَدْعُ به من قبلِ أن يأتيَه، إنه إذا مات أحدُكم انقطع عملُه، وإنه لا يَزِيدُ المؤمنَ عُمُرُه إلا خيرًا).
وأجاز النبي ﷺ ذلك في زمن الفتن كما في قوله:
(لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بقَبْرِ الرَّجُلِ فيَقولُ: يا لَيْتَنِي مَكانَهُ).
﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ أي شيئًا حقيرًا متروكًا، من شأنه أن يُنسى ولا يذكر ولا يعرف ولا يتألم لفقده.
استفدنا:
- وجوب صيانة العِرض من كلام الناس.
- تجنب الشبهات من الحكمة.
- عدم جواز تمني الموت إلا عند الفتنة.
- النسيان أمنية الصالحين حين تصبح الأضواء بابًا للفتنة.
شاركنا واكتب في التعليقات:
ما الدعاء أو الآية التي تمنحك ثباتًا وطمأنينة عند الضيق؟









